على مدى ما يزيدُ على خمسة عقود، ظلَّ الشرق الأوسط منطقةً تتسم بعدم الاستقرار السياسي، سواءٌ على مستوى الدول منفردة أو ضمن إطار العلاقات الإقليمية والصراعات المشتركة. وقد شكّلت دولُ مجلس التعاون لدول الخليج العربية استثناءً في هذا السياق إذ استطاعت بفضل توارث الحكمة السياسية أن تتجنّب الانزلاقَ إلى دوّامة القرارات الخاطئة، مما مكّنها من الحفاظ على الاستقرار في محيط مضطرب وبناء سياسات متوازنة تستند إلى قراءة دقيقة للواقع الإقليمي والدولي.
وعلى الرغم من تغيّر الأنظمة وتبدّل التحالفات وصعود أجيال جديدة من القادة، فإنّ سمةً مشتركة واحدة ظلّت تحكم المسار: سوء التقدير السياسي، الذي جعل المنطقة تدور في دوّامة أزمات متلاحقة وتفوت عليها فرصاً تاريخيةً للسلام والتنمية، في كثير من دول المنطقة ظلّ القرار السياسي رهين حسابات آنية وأحيانًا شخصية على حساب الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، وذلك لغياب التقدير الصحيح لواقع التحولات أو لنتائج الخطوات المتسرّعة.
الشرق الأوسط كان يمتلك فرصًا للتكامل السياسي والاقتصادي لكن سوء التقدير السياسي، وانعدام الثقة، وفتح نافذة التدخل في شؤون الدول الداخلية جعلت كل فرصة تتحوّل إلى ساحة للصراع أو القطيعة، بدءًا بالخلاف حول كامب ديفيد وأزمات الثمانينات وغزو الكويت، إلى النزاعات الأخيرة في سوريا واليمن وليبيا والسودان.
الخلافات الثنائية بين الدول التي كان يمكن حلها بالوساطة والحوار المبكر، غالباً ما تحوّلت إلى أزمات ممتدة لعقود، استنزفت الموارد والطاقات وأعاقت التنمية. أما الأزمات المشتركة، مثل القضية الفلسطينية، فكانت ساحة لإهدار الفرص إذ شهدت المنطقة مبادرات ومؤتمرات دولية واتفاقات مرحلية لكن كل ذلك تعثّر بسبب سوء تقدير النوايا، أو المبالغة في سقف المطالب والخوف من الرأي العام الداخلي، أو الرهان على تغيّر الظروف لصالح طرف ما، مما جعل تلك النوافذ تُغلَق بسرعة بتبدّل الإدارات في واشنطن وتل أبيب، حتى تلاشت فرص السلام تقريباً بصعود المتطرفين إلى الحكم في إسرائيل.
♦
على أعتاب مرحلة دولية فارقة يقف الشرق الأوسط وكأنه يطوي نصف قرن من التاريخ المثقل بالأزمات والفرص المهدورة، بين طموحات عُلّقت على جدران الشعارات، وقرارات ارتُجلت في غياب البصيرة. لقد تبدلت خرائط التحالفات، وتغيّرت معادلات القوة، غير أن الخلل الجوهري ظل واحداً: غياب الحس الوطني والتقدير السياسي الرشيد، القادر على استشراف المآلات قبل أن تُفرض بالواقع.
ولعل دروس الماضي تؤكد أن طريق الخلاص يبدأ بالتمسّك بالدولة الوطنية كوعاء جامع للهوية والمصالح، والابتعاد عن الولاءات الخارجية التي تختطف القرار السيادي، والتَبرّي من الأيديولوجيات التي تُعمي البصيرة وتُقزّم الأوطان. إن لحظة الحقيقة اليوم لا تحتمل التردّد، ولا تسمح بترف المغامرة. فإما أن تُبنى السياسات على قراءة عميقة لموازين القوى وتحولات العصر، مقرونة بإرادة واعية لصناعة المستقبل، أو ستظل هذه الدول المأزومة أسيرة دوّامة تاريخها، تعيد تدوير أزماتها حتى تتلاشى من خارطة التأثير والوجود.
حسين بن سوده | الموقع الشخصي
